ابن عربي
66
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
وأعجب من ذا أنها في أكفّكم * تأجّج نارا والأكفّ بحور حدّث أبو ذرّ وأحمد بن يحيى ، والسياق لأبي ذرّ ، أن ابن يحيى النديم قال : دعاني أمير المؤمنين المتوكل على اللّه ذات يوم وهو في بعض راحاته ، فقال : يا ابن يحيى ، أنشدني قول عمارة في أهل بغداد ، فأنشدته : من يشتري مني ملوك محرّم * أبع حسنا وابني هشام بدرهم وأعطي رجالا بعد ذاك زيادة * وأمنح دينارا بغير تندّم فإن طلبوا مني الزيادة زدتهم * أبا دلف والمستطيل بن أكثم فقال المتوكل : ويلي على ابن النوال على عقبيه يهجو شقيق دولة ولد العباس . ثم قال لي : يا ابن يحيى ، هل عندك من المديح في أبي دلف القاسم بن عيسى شيء ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، قول الأعرابي الذي يقول فيه : أبا دلف إن السماحة لم تزل * مغلّلة تشكو إلى اللّه غلها فبشّرها ربي بميلاد قاسم * فأرسل جبريلا إليها فحلّها ومن هذا الباب قول القائل : حرّ إذا جئته يوما لتسأله * أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا يخفي صنائعه واللّه يظهرها * إن الجميل إذا أخفيته ظهرا وقال الآخر : فتى عاهد الرحمن في بذل ماله * فلست تراه الدهر إلا على العهد فتى قصرت آماله عن فعاله * وليس على الحر الكريم سوى الجهد هذا المديح أقرب للديانة من الكرم ، فإن عطاؤه إنما هو من أجل الوفاء بعده من اللّه حتى لا يكون من الذين ينقضون عهد اللّه ، والكريم سجيته الكرم ، فلا يحتاج إلى القسم عليه إلا لعلّة لنفسه ، فما وفّى هذا الشاعر مدح هذا في الكرم ما تصوّر له في خاطره ، فهذا اللفظ دون ما في القصد . وقال الآخر في هذا الباب : أرى نفسي تتوق إلى أمور * يقصّر دون مبلغهنّ مالي فنفسي لا تطاوعني لبخل * ومالي لا يبلّغي فعالي وقال آخر : إذا ما أتاه السائلون توقّدت * عليه مصابيح الطلاقة والبشر